blog-details

الإنتاجية العصبية: تسخير علم الأعصاب لتعزيز التركيز والأداء

هل تتساءل يوماً كيف يحقق بعض الأفراد مستويات إنتاجية مذهلة، بينما يعاني آخرون من تشتت الانتباه المستمر؟ في عالم يزداد فيه التنافس وتتزايد الملهيات، أصبح التركيز عملة نادرة. وفقاً لتقرير "State of Teams 2025" الصادر عن شركة "أتلاسيان" (Atlassian)، يهدر الموظفون ما يصل إلى 27% من أسبوع عملهم في مهام غير فعالة، مما يؤثر سلباً ومباشرةً في الإنتاجية. ماذا لو كان مفتاح تعزيز أدائك يكمن في فهم أعمق لكيفية عمل عقلك؟ هنا يأتي دور الإنتاجية العصبية لتقدم لنا أدوات فعالة لتحسين وظائف الدماغ وتسخير إمكاناته الكامنة. تابع القراءة لتكتشف كيف.

ما هي الإنتاجية العصبية؟

الإنتاجية العصبية هي مجال يُطبق مبادئ علم الأعصاب لفهم وتحسين كيفية عمل الدماغ لتعزيز التركيز، والأداء المعرفي، والإنتاجية الشاملة. يسخِّر هذا المجال آليات الدماغ الطبيعية، مثل إفراز الدوبامين، لزيادة الكفاءة والقدرة على الإنجاز.

فهم أساسيات الدماغ والتركيز

لتعزيز قدرتنا على التركيز، لا بُدَّ أن نبدأ بفهم كيفية عمل الدماغ نفسه. التركيز ليس مجرد مهارة؛ بل هو عملية معقدة تشارك فيها مناطق ومواد كيميائية محددة في الدماغ.

يُعد الدماغ العضو الذي ينظم قدرتنا على الانتباه ويديرها؛ إذ فيه مناطق رئيسة تؤدي أدواراً حاسمة، أبرزها:

1. القشرة الأمامية الجبهية (Prefrontal Cortex)

تُعد لوحة التحكم العليا للدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن وظائف "التحكم التنفيذي" مثل التخطيط، واتخاذ القرار، والأهم من ذلك، توجيه التركيز وتصفية المشتتات. كلما كانت هذه المنطقة تعمل بكفاءة، زادت قدرتنا على الحفاظ على الانتباه العميق.

تعتمد قدرة الدماغ على التركيز اعتماداً كبيراً على التوازن بين الناقلات العصبية، وهي مواد كيميائية تنقل الإشارات بين الخلايا العصبية:

2. الدوبامين (Dopamine)

يُعرف غالباً باسم "ناقل المكافأة"، ويؤدي دوراً محورياً في التحفيز والتركيز. عندما ننخرط في مهمة نجدها مجزية أو نتوقع منها مكافأة، يزداد إطلاق الدوبامين، مما يعزز رغبتنا في الاستمرار ويحسن تركيزنا.

3. النوربينفرين (Norepinephrine)

يُعد هذا الناقل العصبي هاماً لليقظة والانتباه؛ إذ يحافظ على حالة الاستعداد العقلي ويُمكِّننا من الاستجابة للمثيرات ذات الصلة مع تجاهل المشتتات.

4. الأسيتيل كولين (Acetylcholine)

حيوي للانتباه المستمر، والتعلم، والذاكرة. يساعد الدماغ على "قفل" التركيز على مهمة معيَّنة ويعزز القدرة على التبديل بكفاءة بين المهام عند الضرورة.

5. السيروتونين (Serotonin)

على الرغم من ارتباطه الرئيس بالمزاج والسعادة، يؤدي السيروتونين دوراً حيوياً في توفير الاستقرار العاطفي الذي يُعدُّ أساساً للتركيز الفعال. تقلل المستويات المتوازنة من السيروتونين القلق وتدعم الوظائف المعرفية مثل التعلم والذاكرة، كما أنَّها أساسية لنوم جيد، وهو أمر ضروري للأداء المعرفي الأمثل في اليوم التالي.

يمثِّل فهم هذه الأساسيات الدماغية نقطة البداية لتطبيق استراتيجيات الإنتاجية العصبية، والتي تحسن هذه العمليات الطبيعية لتحقيق تركيز وأداء أفضل.

كيف تؤثر الحالة العقلية في الإنتاجية؟

لا تعد الحالة العقلية مجرد شعور، إنَّها عامل حاسم يؤثر مباشرةً في قدرتنا على التركيز وإدارة المهام، وبالتالي على الإنتاجية. عندما يكون الدماغ مثقلاً بالتوتر أو القلق، تنخفض قدرته على الأداء الأمثل.

 تشير دراسة استقصائية عالمية أجرتها شركة (Future Forum) في عام 2023 إلى أنَّ 42% من القوى العاملة، أفادوا بأنَّهم يعانون من الاحتراق الوظيفي، مما يؤثر في صحتهم العقلية وإنتاجيتهم؛ إذ تعكس هذه الأرقام مدى انتشار التحديات المرتبطة بالحالة العقلية في بيئة العمل الحديثة.

تؤثر الحالة العقلية بالإنتاجية في عدد من الجوانب، ومن أبرزها:

  • تقليل التركيز: يشتت القلق الدماغ، فيصعب عليه الحفاظ على الانتباه لمهمة واحدة.
  • سوء اتخاذ القرار: يقلل التفكير المشوش القدرة على التحليل المنطقي واتخاذ القرارات السليمة.
  • انخفاض الدافع: يستنزف الإرهاق الطاقة، مما يقلل الرغبة في بدء أو إكمال المهام.
  • زيادة الأخطاء: يؤدي نقص التركيز إلى مزيدٍ من الأخطاء، مما يتطلب وقتاً إضافياً للتصحيح.
  • ضعف التعاون: يؤثر التوتر في التفاعل مع الزملاء، مما يعوق العمل الجماعي.

تأثير الحالة العقلية في الإنتاجية

تقنيات علم الأعصاب لزيادة التركيز

ننتقل الآن بعد أن فهمنا كيف يعمل الدماغ وكيف تؤثر حالتنا العقلية في الإنتاجية إلى التقنيات العملية المستوحاة من علم الأعصاب التي يمكننا تطبيقها لتعزيز التركيز والأداء.

1. إدارة مستويات الدوبامين والسيروتونين

يمكننا التأثير بوعي في مستويات هذه الناقلات العصبية لـ تحسين التركيز والتحفيز والاستقرار العاطفي، وبالتالي تعزيز إنتاجيتنا.

إدارة الدوبامين لزيادة التركيز والتحفيز

الدوبامين هو ناقل عصبي حيوي يعمل بوصفه محركاً للتحفيز، ويُطلق استجابة للمكافآت، وهو أساسي لقدرتنا على التركيز. الإدارة الفعالة لمستوياته لا تعني السعي الدائم لزيادته بإفراط؛ بل تحقق توازناً يحسن استجابة الدماغ للمكافآت الحقيقية المرتبطة بالإنجاز، ويجعلك أكثر قدرة على التركيز على المهام الهامة.

تُطبق هذه التقنية بتنظيم المكافآت الدوبامينية، وذلك بتقليل التعرض المستمر للمحفزات سريعة المفعول وذات المكافأة الفورية (مثل إشعارات وسائل التواصل الاجتماعي أو التصفح العشوائي). يضبط هذا حساسية دماغك للدوبامين؛ إذ تصبح المهام التي تتطلب تركيزاً أعمق وأقل إثارة فورية، أكثر قدرة على جذب انتباهك وتحفيزك.

مثال: إذا كنت تواجه صعوبة في التركيز على كتابة تقرير هام، خصِّص فترة زمنية محددة (مثلاً 90 دقيقة) تُغلِق فيها جميع الإشعارات وتتجنب أي تشتت رقمي؛ بل ركز فقط على الهامة. بعد إنجاز جزء منها، كافئ نفسك بمكافأة بسيطة ومحددة، مثل 5 دقائق لتصفح خبر هامٍّ أو الاستماع إلى أغنيتك المفضلة. يدرب هذا دماغك على ربط إكمال المهام الصعبة بالرضى، مما يعزز حافزك المستقبلي.

إدارة السيروتونين (Serotonin) لتحسين الاستقرار العاطفي والتركيز

السيروتونين هو ناقل عصبي حيوي يؤثر في المزاج، والهدوء، والسعادة. تُعد هذه المشاعر الإيجابية ضرورية للحفاظ على تركيز عميق ومستدام، فالدماغ الهادئ والمستقر عاطفياً يكون أكثر قدرة على توجيه موارده المعرفية تجاه المهام الإنتاجية.

تُطبق هذه التقنية من خلال الانخراط بانتظام في النشاطات التي تعزز الرفاهية والسعادة الهادئة. يدعم هذا صحتك العقلية ويخلق بيئة دماغية أكثر استقراراً وملاءمة للتركيز؛ إذ إنَّ المستويات المتوازنة من السيروتونين، تقلل القلق وتدعم الوظائف المعرفية.

مثال: لتعزيز مستويات السيروتونين لديك، يمكنك دمج المشي اليومي في الهواء الطلق لمدة 20-30 دقيقة (فالتعرض لضوء الشمس الطبيعي يعزز السيروتونين). يمكنك أيضاً قضاء وقت ممتع مع الأصدقاء والعائلة، أو ممارسة هواية مهدئة، مثل القراءة أو البستنة بعد العمل، فعندما تشعر بالهدوء والاستقرار العاطفي الناتج عن هذه النشاطات، ستجد أنَّ قدرتك على التركيز على المهام الصعبة، تتحسن تحسناً ملحوظاً.

2. تقنيات التنفس والتأمل لتحسين الانتباه

تُعدُّ تقنيات التنفس الواعي والتأمل من أقوى الأدوات العصبية لتحسين التركيز؛ إذ إنَّها تؤثر مباشرة في الجهاز العصبي وتغير أنماط نشاط الدماغ، مما يهيئ العقل لحالة من الهدوء واليقظة. سنغوص الآن في هذه التقنيات وكيفية تطبيقها:

2.1. تقنيات التنفس لتحسين الانتباه

يُعدُّ التحكم الواعي في التنفس وسيلةً فوريةً للتأثير في الجهاز العصبي اللاإرادي. ينظم هذا التأثير استجابة الجسم للتوتر ويعزز حالة من الهدوء التي تُعد ضرورية للتركيز.

التقنية:

التنفس الصندوقي (Box Breathing)، تُعد تقنيةً بسيطةً وفعالةً تُستخدم لتهدئة الجهاز العصبي وزيادة وضوح الذهن.

تطبيقها:

تتضمن هذه التقنية العد لأربع في كل مرحلة من مراحل التنفس:

  • شهيق ببطء من الأنف وعد للرقم 4.
  • حبس الأنفاس والعد للرقم 4.
  • الزفير البطيء من الفم والعد للرقم 4.
  • حبس الأنفاس بعد الزفير والعد للرقم 4. كرر هذا النمط لعدة دقائق.

مثال:

قبل البدء بمهمة تتطلب تركيزاً عالياً، أو عندما تشعر بأنَّك مشتت وتائه، خصص 3-5 دقائق لممارسة التنفس الصندوقي. اجلس في مكان هادئ، وأغمض عينيك، ثم اتبع الخطوات الأربعة المذكورة أعلاه. ستلاحظ تحولاً سريعاً في حالتك العقلية؛ إذ يقل التوتر ويزداد الهدوء، مما يهيئ دماغك لتركيز أعمق على المهمة التي بين يديك.

2.2. تقنيات التأمل لتحسين الانتباه

التأمل هو تمرين ذهني مباشر يدرب الدماغ على الحفاظ على الانتباه وتقليل شرود الذهن. يُعدُّ تأمل التركيز الموجه، خصيصاً التركيز على التنفس، وطريقة فعالة لتقوية "عضلة التركيز" في الدماغ. إليك بعض أبرز تقنيات التأمل وتطبيقاتها لتعزيز إنتاجيتك العصبية:

  • التقنية: تأمل التركيز على التنفس (Breath-Focused Meditation)، الذي يركز انتباهك على إحساس التنفس بوصفه مرساة لعقلك.
  • تطبيقها: اجلس في وضع مريح، وركِّز انتباهك بالكامل على إحساس دخول وخروج الهواء من جسدك دون محاولة التحكم في التنفس. عندما تلاحظ أنَّ عقلك قد شرد (وهو أمر طبيعي تماماً)، أعد انتباهك بلطف وثبات إلى التنفس. يدرب هذا التمرين دماغك على العافي السريع من التشتت.

مثال: خصص 10-15 دقيقة يومياً، ربما في الصباح الباكر أو قبل النوم. اجلس بهدوء، وأغمض عينيك، ولاحِظْ إحساس التنفس. قد تلاحظ أفكاراً تتسرب إلى ذهنك حول قائمة المهام أو مشكلة معيَّنة. عندما يحدث ذلك، ببساطة لاحظ الفكرة دون الحكم عليها أو الانجرار وراءها، ثم انتبِهْ بلطف إلى إحساس تنفسك.

تقوي الممارسة المنتظمة لهذا النوع من التأمل قدرة دماغك على الحفاظ على التركيز وتقليل الاستجابة للمشتتات، مما يجعلك أكثر إنتاجية خلال يومك.

تقنيات علم الأعصاب لزيادة التركيز

تطبيق الإنتاجية العصبية في روتينك اليومي

لا يقتصر الأمر على فهم كيفية عمل دماغك فحسب؛ بل على تطبيق استراتيجيات عملية تُحدث فرقاً ملموساً في إنتاجيتك اليومية. لتحقيق أقصى استفادة من مبادئ الإنتاجية العصبية، يجب أن تتبنى عادات تدعم وظائف دماغك المثلى باستمرار.

 

إليك بعض الطرائق لدمج الإنتاجية العصبية في حياتك اليومية:

1. تصميم بيئة عمل صديقة للدماغ

لتصميم بيئة عمل تعزز تركيزك وإنتاجيتك، قلِّل المشتتات وهيِّئ الأجواء المناسبة لدماغك. إليك أهم النقاط:

1.1. المساحة المادية

  • تقليل الفوضى: مكتب مرتب يعني ذهناً أقل تشتتاً.
  • إضاءة جيدة: الأفضل هو ضوء النهار الطبيعي أو إضاءة تحاكي الشمس لتجنب إجهاد العين.
  • تحكم في الضوضاء: استخدم سماعات إلغاء الضوضاء أو موسيقى هادئة لتقليل التشتت السمعي.
  • درجة حرارة مريحة: حافظ على جو معتدل يجنبك الانزعاج.

2.1. البيئة الرقمية

  • تنظيم سطح المكتب: اجعل شاشتك خالية من الفوضى الرقمية.
  • إيقاف الإشعارات: أغلِق تنبيهات البريد الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي في المهام الهامة.
  • استخدام أدوات التركيز: جرِّب تطبيقات لحجب المواقع المشتتة أو مؤقتات لمساعدتك على البقاء مركزاً.

2. التغذية والنوم والتمرينات بوصفها ركائز للإنتاجية العصبية

  • تناوُل أطعمة غنية بأوميغا 3، ومضادات الأكسدة، والكربوهيدرات المعقدة، والبروتين.
  • الحفاظ على الترطيب الجيد.
  • الحصول على 7-9 ساعات من النوم الجيد بانتظام.
  • الالتزام بـ روتين نوم ثابت ومبكر.
  • تهيئة بيئة نوم مظلمة وهادئة وباردة.
  • ممارسة نشاط بدني منتظم (حتى لو كان المشي السريع).
  • تعزيز تدفق الدم للدماغ وإطلاق الناقلات العصبية الإيجابية.
  • تقليل التوتر وتحسين جودة النوم.

في الختام

لقد كشفت لك الإنتاجية العصبية عن مفاتيح دماغك الكامنة، من فهم النواقل العصبية إلى تصميم بيئة عملك. الآن، الكرة في ملعبك. المعرفة وحدها لا تكفي، فالقوة الحقيقية تكمن في التطبيق. هل أنت مستعد لتُحدث ثورة في أدائك وتتحكم في قدرات عقلك الكامنة؟ طبِّق اليوم استراتيجية واحدة على الأقل من التي تعلمتها، وشاهد كيف تتغير إنتاجيتك إلى الأبد.

هذا المقال من إعداد المدربة عائشة الحضرمي، كوتش معتمد من غلوباس.

کن على إطلاع بأحدث المتسجدات

اشترك واحصل على أخر المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت مضى.
to-top
footer1

is

illaf-train

Business.©2026