blog-details

نظريات الدافع: أدوات فعالة لتحقيق النجاح والتوازن المستدام

نمرُّ جميعاً بفترات من الحماس والاندفاع، وفترات أخرى من الركود، لكن هل تساءلت يوماً عن السبب وراء ذلك؟ أو هل فكرت في التأثير الذي يحدثه ذلك في حياتك عامةً؟ ربما يمكن أن تساعدنا نظريات الدافع على تفسير كل هذا.

أظهرت الأبحاث عدداً من نظريات الدافع وعوامل التحفيز، ولكلٍّ منها مزاياها ويمكن أن تعمل جيداً خصيصاً عند مزجها معاً، ولكن ما هو الدافع حقاً، وما تأثيره في حياتنا الواقعية؟

تعريف الدافع

يُعرَّف الدافع عموماً على أنَّه تجربة رغبة أو نفور، وهذا يعني رغبتنا في امتلاك أو تجنب شيء ما، واتخاذ قراراتنا بناءً عليها، فهذا يفسر اندفاعنا لإنجاز بعض الأعمال وتسويفنا لأخرى، وهو ما يشكل عائقاً حقيقياً في سبيل تحقيق الأهداف، فالجانب الإيجابي من الأمر هو أنَّنا نستطيع البحث والتعمق لفهم ما يحفزنا شخصياً، وبالتالي فهم النظريات التي تخصنا ثم استخدامها بوعي.

3 نظريات الدافع

إليك 3 نظريات تساعدك على الحفاظ على الدافع والحماس للعمل:

"نظرية وضع الأهداف" (Goal-Setting Theory)

نشر عالم النفس "إدوين أ. لوك" (Edwind A. Locke) في عام 1968 "نظرية تحديد الأهداف" (Goal Setting Theory).

كانت التجربة الأولى لهذه النظرية منذ 50 عاماً تقريباً، والبيان الأول منذ 28 عاماً، ويعد تحديد الأهداف محفزاً قوياً للعمل، وهو يجعلنا أكثر تركيزاً وأقل ميلاً إلى التسويف، وتُحدَّد نظرية الأهداف بفعالية فقط عندما تُحقَّق معايير معيَّنة؛ لذا يجب معرفة ما هي تلك المعايير، وإليك المعايير الهامة في نظرية "لوك":

1. يجب أن تشكل الأهداف تحدياً وتكون قابلة للتحقيق

يفقد الفرد الدافع للعمل عندما تكون أهدافه شديدة الصعوبة أو السهولة؛ لهذا السبب يُنصَح بوضع أهداف صعبة إلى حدٍّ ما ولكنَّها قابلة للتحقيق ضمن الظروف والإمكانيات المتاحة.

2. يجب أن تكون الأهداف محددة وقابلة للقياس

يوجهنا هذا تجاه الطريق الصحيح ويساعدنا على قياس التقدم عند كل إنجاز مرحلي.

3. الالتزام بالهدف

يجب اتخاذ قرار حازم بالالتزام بالهدف، وإلَّا فسيكون التسويف هو المصير المحتوم.

4. وضع استراتيجيات

تشمل الاستراتيجيات المقترحة لتحقيق ذلك المشاركة في عملية تحديد الأهداف، والاعتماد على المكافآت الخارجية (مثل المكافآت المالية)، وتشجيع الدافع الداخلي من خلال تقديم تغذية راجعة حول تحقيق الأهداف.

5. عناصر الدعم

يجب توفير عناصر الدعم، مثل التشجيع، والمواد والموارد اللازمة، والمساندة المعنوية.

نظرية وضع الأهداف

6. قابلية القياس

يجب أن تكون الأهداف قابلة للقياس، كما يجب السعي للحصول على تغذية راجعة. وتصلح هذه المعايير للعمل الجماعي ضمن إطار الفريق، ونناقش تالياً حالة العمل الفردي:

تطبيق "نظرية لوك" عند العمل بمفردك

يتضمن نموذج "الأهداف الذكية" (SMART Goals) معاييراً هامة تتعلق بنظرية "لوك"، وسيساعدك هذا النموذج في كتابة بيان هدف جيد.

"SMART" هو اختصار للأحرف الأولى من معايير الأهداف الذكية التي يقترحها النموذج، والذي يؤكد أنَّ الأهداف يجب أن تكون "محددة" (Specific)، و"قابلة للقياس" (Measurable)، و"قابلة للتحقيق" (Achievable)، و"واقعية" (Realistic)، و"مؤطرة زمنياً" (Timed-bound).

يمكن أن يكون الالتزام أصعب عندما تعمل على الهدف بمفردك؛ لذا عليك إيجاد وسيلة لمحاسبة نفسك عند استخدام نظريات الدافع.

أخبِرْ صديقاً تثق به بهدفك واطلب منه أن يؤدي دور المحاسب، أو أعلِن عن خططك على مواقع التواصل الاجتماعي أو أمام زملائك في بيئة العمل إذا كنت تمتلك الشجاعة الكافية، فيمكنك تحفيز نفسك من خلال إنشاء نظام مكافآت مخصص بك في حال كنت تتوق للإنجاز، ولكن تجنَّب المكافآت البعيدة الأمد؛ لأنَّها لا تضمن استمرارية الدافع، بالتالي تزداد فعالية نظام المكافآت عند تقسيم الأهداف طويلة الأمد إلى مجموعة من الأهداف قصيرة الأمد؛ إذ يشعر الفرد بالإنجاز عندما يتلقى مكافأة على تحقيق الهدف الجزئي، مما يعزز رغبته بالعمل وإحراز مزيد من التقدم.

الموارد الأساسية

الهدف الذكي هو هدف قابل للتحقيق؛ أي ينبغي أن تمتلك الموارد المطلوبة لتحقيقه، وعلى الأرجح أن تفقد الدافع للعمل عندما لا تتوفر لديك هذه العناصر الأساسية، وهي تشمل المواد، والمعلومات، والأشخاص، فإذا أخبرت صديقاً تثق به بهدفك، اطلب منه أيضاً الدعم والتشجيع، وحدِّد نقاط ضعفك، وسجِّل في دورة تدريبية أو اطلب مساعدة منتور أو كوتش لاكتساب المهارات التي تنقصك، وابحث جيداً وتحقق  توفر هذه العناصر الأساسية قبل أن تحدد هدفك.

لا يحصل الفرد على التغذية الراجعة عندما يعمل لوحده، وفي هذه الحالة يجب تقييم النتائج المُحرَزة لتحديد الإجراءات والتغييرات اللازمة.

تُعد التقييمات الدورية وسيلة فعالة للحصول على التغذية الراجعة وإجراء التغييرات اللازمة.

"نظرية الحاجة" (Need Theory)

كتب الباحث "ديفيد مكليلاند" (David McClelland) عن نظرية الدافع في كتابه "المجتمع المُنجِز" (The Achieving Society) عام 1961؛ إذ تشرح هذه النظرية لماذا يكون بعض الأفراد أكثر اندفاعاً لتحقيق النجاح من غيرهم.

تعتمد هذه النظرية على مبدأين نفسيين: دافع الفرد لتحقيق النجاح، ودافع الفرد لتجنب الفشل.

يندفع بعض الناس لتحقيق أهدافهم؛ لأنَّ لديهم رغبة قوية في النجاح، وهذا يعني أنَّهم سيعملون حتى بوجود التحديات والمصاعب، وبالمقابل يخشى بعض الناس الفشل مما يدفعهم إلى الابتعاد عمَّا لا يريدونه، وهذا يعني أنَّهم سيتجنبون القيام بالمهام الصعبة التي يمكن أن تعرضهم لخطر الفشل، كما أنَّهم أقل ميلاً لوضع أهداف لنفس السبب.

تغيير تصورك للمعاناة

يمكنك أن تستثمر دافع تجنب الألم لصالحك عندما تدرك وجوده أولاً، ثم تغير موقفك تجاهه، وتطبيق مبادئ نظريات الدافع، فإذا كان تقدمك مرهوناً بخطوة ما، بينما أنت تقاومها؛ لذا فكِّر لماذا تقوم بذلك؟ اكتشف مخاوفك.

تخيَّلْ كيف سيكون مستقبلك إذا لم تقم بهذه الخطوة، ولاحِظْ كيف سيؤثر ذلك سلباً في هدفك، وتخيَّل كيف ستشعر عندما لا تحقق ذلك ولاحظ مدى الألم الذي ستعانيه.

تقبَّلْ الخطوة التي كنت تتجنبها، وتخيَّل كيف ستقربك من هدفك، ولاحِظْ كيف ستشعر عندما تحتفل بالإنجاز النهائي، فهذه التقنية فعالة للغاية مع كثير من الناس؛ لأنَّها تحول الرغبة في التسويف إلى دافع للعمل.

"نظرية تخفيض الدافع" (Drive Reduction Theory)

اقتُرِحَت هذه النظرية لأول مرة من قبل عالم النفس الأمريكي "كلارك هول" (Clark Hull) في عام 1943، وتركز هذه النظرية على فرضية أنَّ البشر يندفعون لاتخاذ الإجراءات عندما يضطرب توازنهم الداخلي أو ما يُطلَق عليه اسم "الاستتباب" (homeostasis).

يشير هذا التوازن إلى تمسكنا بالاستقرار والبقاء كما نحن، ويشير إلى صحتنا العامة، وهذه ميول طبيعية، لكن يمكننا استخدام نظريات الدافع للتغلب على المقاومة التي تولدها.

تتأثر صحتنا العامة بعدد من العوامل في بيئتنا الخارجية، وهي تشمل قدرتنا على توفير الغذاء، والمأوى، والمال، وسنشعر بدافع أكبر للقيام بشيء ما إذا كانت استقرارنا مهدداً بأي شكل من الأشكال، وهذا يعني أيضاً أنّنا سنعدل عن فعل شيء ما إذا شعرنا بأنَّه يهدد استقرارنا.

تتجلى هذه النظرية بوضوح مع رجال الأعمال، الذين يتجنبون الأشياء التي تشعرهم بعدم الارتياح، مثل التواصل مع المعارف أو العملاء، ولكنَّهم يلجؤون إلى هذه الإجراءات عندما ينخفض دخلهم؛ لأنَّ هذا الانخفاض يولِّد الدافع الذي كانوا يفتقرون إليه.

تتوافق هذه النظرية أيضاً مع المستوى الفسيولوجي في "هرم ماسلو للاحتياجات" (Maslow’s Hierarchy of Needs).

هرم الاحتياجات مرتبط بنظريات الدافع

إذا كنا مدفوعين بهذا الاحتياج فقط، فلن نقوم بأي شيء جديد، وسنعجز عن التصرف في مواجهة فترات عدم اليقين؛ لذلك يجب إيجاد الدافع لتجاوز هذا الاحتياج الأساسي، حتى في ظل عدم اليقين والتحديات.

التعامل مع عدم اليقين

لا يكون الدافع خارجياً بنظر الدكتور "جون ديمارتيني" (John DeMartini)، المعلم الدولي في سلوك الإنسان والمتخصص في مجال القِيَم، فالدافع الحقيقي هو الإلهام ويظهر عندما نختبر قِيَمنا، وهذا يعني أنَّ الدافع الداخلي ينتج عن وضع أهداف تتوافق مع قِيَمنا الشخصية، مما يعزز قدرتنا على فعل ما يلزم لتحقيق هذه الأهداف ومواجهة الصعوبات التي يمكن أن تعترضنا، فالقِيَم معتقدات غير واعية، ولا يعرف عددٌ من الناس قيمهم الأساسية، ولكن يمكنك تعلم كيفية تحديدها، فتسخِّر قيمك بوصفها دوافع عندما تعي تلك القيم.

يحافظ الفرد على حماسه ودافعه للعمل عندما يضع أهدافه بناءً على قِيَمه الشخصية.

في الختام

لا يعد الدافع مجرد شعور عابر أو حافز مؤقت؛ بل هو القوة التي تدفعنا تجاه تحقيق الأهداف والتفوق على أنفسنا، فمن خلال فهمنا لنظريات الدافع المتعددة واستخدامها بوعي، نحوِّل العقبات إلى فرص للنمو، سواءً كان ذلك من خلال تحديد الأهداف بذكاء، أم الاستفادة من مواردنا وتحفيز أنفسنا بفعالية، بالتالي يبقى الدافع هو العنصر الأساسي لتحقيق حياة مليئة بالإنجازات والإشباع الشخصي؛ لذا لا تنتظر الدافع ليأتي إليك؛ بل ابدأ العمل وستجد الدافع يتبعك لتحقيق أحلامك.

کن على إطلاع بأحدث المتسجدات

اشترك واحصل على أخر المقالات والأبحاث والمنتجات التي تجعلك أقوى من أي وقت مضى.
to-top

© Glowpas. All Rights Reserved